كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 21 سبتمبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 13


عندما رأته سلمانة لأول مرّة يدخل من بوّابة المدرسة الحديدية ابتسمت، فلم يكن يعطي شكله ذلك الإنطباع الذي ارتسم داخل مخيتلها عن المدرس او الأستاذ التقليدي. شاب صغير، قامة طويلة معتدلة، بشرة بيضاء يتخللها احمرار من جراء شمس الخليج التي لعبت دورها  على جلود البيض القادمين من القطب الشمالي. شعر بني فاتح تعترضه خصلات افتح لونا من بقية الشعر الذي يغطي رأسه. نظارة طبية بإطار ازرق داكن، شفتان حمراوان لا تصلح لأن تكون لرجل وفقا لمعاييرها الخاصة للرجولة التي تجرعتها مع قهوة السحنات العربية التي اعتادت عليها. بنطال جينز وقميص ازرق بلون السماء مع خطوط بنفسجية فاتحة.
شكل الأستاذ الجديد الذي وصل متأخرا جوناثان ديتمان وهو يخطو اولى خطواته في الكويت، وفي المدرسة الأمريكية النموذجية يدل على كومة كبيرة من الضياع!
استقبلته مديرة المدرسة مسز كاندنس المشهورة بإسم تحبب عادة ما ينادونها به الموظفات وباقي المدرسات بمسز "كايندنس" دلالة على طبيعتها الرقيقة وطيبة قلبها خصوصا في التعامل مع الطلبة الأطفال، والفقراء من موظفي وفراشّي المدرسة.
أخذته مسز كاندنس الى مكتبها، كان يتبع كتلة جسدها الضخم باحترام وهدوء، حتى انه يكاد يختفي من ورائها. ادخلته الى مكتبها وحدثته طويلا عن المدرسة، الطلبة، معايير التدريس ومستوى التعليم وجودته في مدرستها. أخبرته عن المنهج المتبع، حقوقه وواجباته، المطلوب منه، وكل ما يجب ان يتوفر فيه من اخلاق وتصرفات خصوصا في التعامل مع الأطفال الكويتيين المدللين واولياء امورهم من الطبقة الارستقراطية، كان ينصت بإمعان ويسأل اسئلة متعلقة بالموضوع المطروح.
جوناثان ب. ديتمان، مدرس الرياضيات الجديد استلم موقعه في المدرسة النموذجية في ذلك اليوم بالتحديد الذي اصرّت فيه مسز كاندنس على سلمانة أن تأخذ المدرسين الجدد كل حسب موعد وصوله في جولة تفصيلية لكافة مرافق المدرسة وفصولها. تشرح لهم في هذه الجولة عن كل ما يتعلق بالمدرسة والتدريس وتجيب على كافة اسئلتهم. كما انها – فيما بعد -يجب ان تجتمع بهم جميعا لتعطيهم لمحة مختصرة عن آداب التصرف والحديث في المجتمع الكويتي، مستطردة في مختلف الممارسات المرفوضة والمقبولة اجتماعيا من قبل الكويتيين. نادتها مديرة المدرسة بعد ان انهت حديثها الطويل مع جوناثان، عرفتهم ببعضهم ليقف المعلم الجديد، مدّت يدها لتصافحه فاضطرب. أخذ طرف كمه وسحبه ليغطي كفه كلها، مدّ يده المغطاه كليا بشكل معوق اتجاهها ليصافحها، ابتسمت سلمانة وهي تكتم ضحكة صغيرة مليئة بالإستغراب وسألته بإنجليزية جميلة:

-        مستر ديتمان .. ما تفعل؟
-        باضطراب وتردد:
-        انا اصافحك!
ضحكت:
-        اين يدك لكي اصافحها؟
-        أوه .. اعذريني.
 اخرج يده من كم قميصه وصافحها برسمية متناهية.
- أنا آسف!
نظرت في وجهه الخجول كثيرا وهي تخبره عن المدرسة، تسوح به بين الفصول والساحات والمراكز التعليمية. تكلمه بحرفية عن كل ما سيجده متوفرا له وتحت امرته، كل ما سيحتاج اليه، وكل ما سيطلبه من مستلزمات في المستقبل. لجوناثان ب. ديتمان عينين عسليتين بلون الكاراميل، ورموش طويلة جدا أحيانا تنحني للأعلى عندما تلامس اطار نظاراته. في البداية بدا متوترا ومرتبكا، ولكنهم ما وصلا الى صالة الألعاب الرياضية الواسعة حتى ترك توتره يجري للبعيد وسألها:

-        هل درستِ في امريكا؟
-        لا .. أنهيت دراستي الجامعية هنا في الكويت
-        هل عشت يوما في امريكا؟
-        لا
-        لغتك الإنجليزية متقنة جدا، لكنتك امريكية صرفة!
-        أنا ما نطلق عليه هنا اطفال التلفاز مستر جوناثان، لقد تعلمت لغتين عن طريق التلفزيون فقط .. الإنجليزية والهندية.
-        شيء رائع .. ألا تدرسون اللغة الإنجليزية في مدارسكم الحكومية؟
-        نعم ندرسها، ولكن المناهج المتوفرة ليست بالمستوى المطلوب، عادة ما تكون مخرجاتنا ضعيفة جدا.
-        أنا لا اصدق أنك تعلمت اللغة بهذه الجودة لوحدك
-        الممارسة جزء كبير من التعلم، احرص على ان تكون لدي صداقات ناطقة باللغة الإنجليزية لكي اتقنها ولا انساها.
-        شيء رائع
-        شكرا
وصلا الى قاعة الكافتيريا، فقدمت له فنجان قهوة، وجلست على طاولة في كرسي مقابل. التفت يمينا وشمالا وسألها:
-        هل لي بسؤال؟
-        تفضل .. أنا هنا لأجيب عن كل الأسئلة.
-        قيل لي ان مجالسة النساء الكويتيات على طاولة واحدة من اخطر الأمور، فأهلها او قبيلتها من الممكن ان يقوموا بقتلي!
ابتسمت .. ثم قهقهت عاليا:
-        من الذي قال لك هذا؟
-        صديقي، كان جنديا في العراق
-        صديقك مخطئ ولكنه مصيب في نفس الوقت.
-        هه؟
-        هناك الكثير من التصنيفات المجتمعية التي ستعرفها بنفسك ما ان تتوغل اكثر في معرفة المجتمع الكويتي، هناك نساء لا يرغبن في الحديث مع اي رجل سواء كان كويتيا او اجنبيا. وهناك نساء وفتيات اكثر انفتاحا خصوصا في علاقات العمل والدراسة. المجتمع الكويتي صغير مستر جوناثان، ولكننا في دائرتنا الضيقة نتبنى الكثير من التوجهات والأطباعات والمعتقدات التي تختلف من اسرة الى اخرى، ومن بيئة الى اخرى.
يبتسم ويبدو مشاغبا:
-        اذن انا الآن - وفي هذه اللحظة بالذات - لست بخطر!
-        لا .. انت بأمان.
-        أوه شكرا للرب
ضحكا، ووقفت لتدله على غرفة المدرسين وعلى الفصل المخصص لحصصه الدراسية، وما ان وصلت الغرفة حتى استأذنته للرحيل الى مكتبها وقد ابلغته انها ستكون هناك ما ان يحتاج لأي شيء. هز رأسه ممتنا ومد يده للمصافحة، سحبت كمها وغطت كامل كفها وصافحته، ضحكت كثيرا عندما اعتذر مجددا عن سوء المعلومات التي اخبره بها الصديق ذاته، الذي كان جنديا في العراق.


***

في أحد حمامات النساء المتناثرة على اطراف المطار جلست تقضي حاجتها، تعلمت منذ رحلت للبعيد، انها لن تحظى بتلك الجودة العالية من مستلزمات النظافة تجلس بجانبها على كرسي الحمام البارد. تعلمت منذ خمس سنين وبالطريقة الصعبة أنها يجب ان تنظف اطار التواليت بمحارم ورقية تملؤها بالصابون الساءل، ثم تجففها جيدا بمحارم جافة، وقتها فقط تستطيع ان تضع جسدها على الإطار وتطلق ما بها من احتقان. هناك، تعلمت ان البشر في عجلة من امرهم، لا يعترفون بمقدار النظافة الذي تربت عليه منذ طفولتها. يتركون الحمام غير عابهين بما علق بهم من اوساخ، يكملون يومهم ولاتزال النجاسة تتدلى على أطراف اجساهم. لم تتأقلم مع اللامبالاة في بادئ الأمر، كان الموضوع الخفي اصعب بكثير مما كانت تتوقع، الى ان تركت الماضي يذهب بكل شلالاته ونوافيره ويأتي حاضر مليئ بالعجف والجفاف.

 رشاش الماء المعلق على جانب المقعد اضحى مع مرور الوقت ترف قديم يذكرها بأيام عزها. حماماتهم هناك خالية من الود، باردة ومتسخة في اغلب الأحيان، وان كانت نظيفة، فلابد ان تفتقر الى أهم شيء .. الماء!
عندما جلست في حمام مطار الكويت بكت بهدوء لكي لا يسمعها أحد! بكت لإن الإطار كان نظيفا، وكان هناك انبوب ليرش الماء عليها ما ان تنتهي. احسّت مرّة أخرى بالدلال، بلمسة من نعيم الماضي .. بعدما كانت تمسح مخلفاتها بمحرمة ورقية يتيمة تبقي على اوساخها اكثر ممّا تخفي. أحسّت بسعادة عارمة تجتاحها عندما شعرت بتدفق المياة كريمة دافئة تغسلها من جديد.
يتبع ...

هناك تعليقان (2):

سبمبوت يقول...

الخطوط خطأ تقني غير مقصود

سارة

ARTFUL يقول...

شكرا ولا زلت متابع

آخر سلمانه 13 يخخخخخ P;

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت