كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 25 سبتمبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 15



في مكتبها بعد الإستراحة، رفعت سماعة الهاتف واتصلت بالوزارة .. ردّت البدالة المخصصة بتحويل المكالمات الى الجهة المعنية، سألت عن نيفين، موظفة اسمها نيفين ولا تعرف كنيتها، اخبرتهم انها تعمل في ادارة التحقيقات. رنّ جرس الإنتظار مرتين ليرفع السمّاعة صوت رجل. سألته عن نيفين فأخبرها انها في اجازة. سألته ان كان يعرف رقم هاتفها المحمول، فرفض اعطائها احتراما لخصوصية زميلته. توسلت اليه ان يساعدها فهي في أمس الحاجة ان تحكي مع نيفين في امر بغاية الأهمية، أصّر على الرفض. فتوصلت الى اعطاءه رقم هاتفها الشخصي ليعطيه بدوره الى نيفين ويخبرها ان سلمانة تريدها حالا في أمر ضروري جدا.

اقفلت السماعة .. وانشغلت ببعض الأمور

بعد حولي الساعة والنصف عادت الى مكتبها لتجد مكالمة لم يرد عليها، اتصلت بالرقم الموجود ليرد عليها صوت نيفين. أخبرتها بإسمها وانها أرادت الحديث مع مريم. جاءت ردة فعل الصوت الحاني غريبة بعض الشيء، فقد انكرت معرفتها بالفتاة المطلوبة نهائيا ولم ترد استكمال الحديث فأقفلت السماعة قبل انتهاء الحوار!

أصرّت سلمانة على ابلاغ الرسالة، فكتبت رسالة قصيرة مفادها انها صديقة مريم، وان بحوزتها مجموعة من الأوراق الرسمية التي تهم مريم. كتبت سلمانة عنوان المدرسة التي تعمل فيها في الرسالة، رقم هاتف مكتبها، ومواعيد العمل.

انهت الرسالة برجاء حار ان تصل الرسالة الى مريم بأي طريقة.



***



من هناك .. وعلى مدى اكثر بقليل من خمس سنين. من المكان البعيد البارد ارسلت سبع رسالات بخط يدها الى الكويت، لم تكتب اسمها على الرسائل، كان المرسل بمنتهى الغموض ولكن من تلقّى لابد وقد عرف من الذي ارسل الوجع. هي فقط ارادت على الرغم من الفراق ان تتواصل ولو ببضع كلمات مع الوطن.

في الرسالة الأولى ارسلت فقرات من حنق وغضب، سطرت سطورا تعج بالخيبة، بالامل الذي انقضى ما ان غادرت المكان ولم توقفها يد البلاد! لم يناديها النشيد العتيد، ولم تمسك يدها وتسحبها للرجوع يد حانية، تربت على كتفها وتخبرها ان الإعصار لابد وأن ينجلي. اخبرت في الرسالة أنها وحيدة وحزينة، انها لا تجد من يحنو عليها ولا من يسأل عنها ان كانت بخير. في الرسالة الأولى قالت انها مرضت بعد ثلاث شهور من الرحيل، فلم تزر الطبيب ولم يعطيها أحد كوب ماء لتبلع الدواء. في الرسالة الاولى، كتبت بخط يدها انها لا تحب الكويت .. ولا تحب من يسكنها!

الرسالة الثانية جاءت بعد سنة وسبع شهور، ارسلتها من مكتب عملها في شركة لبيع احجار الديكور، كتب على الضرف اسم Market Materials Company ولا شيء سواه. كتبت في الرسالة الثانية أنها لازالت بخير، ولكن عينيها لازالتا حتى بعد كل هذا الوقت تبكيان قبل النوم، مرارا حاولت ان توقف المطر داخلها من الهطول، ولكن لن يقف المطر إلا عندما تنجلي من صدرها كل الغيوم، فلم تنجلي الغيوم.

قالت في الرسالة الثانية انها تعمل كثيرا لكي تعيش، صار لديها صديقة كريمة قد شاركتها بيتا صغيرا في احدى الضواحي اللطيفة. تحسنت أحوالها قليلا عندما لمحت تقاطيع جديدة باتت تتشكل في حياتها. ولكنها ايضا كتبت انها لاتزال حزينة ووحيدة، ان الماضي لازال يطارها، وان الوطن في نومها ويقضتها لازال يناديها. ختمت في رسالتها الثانية ايضا انها لازالت لا تحب الكويت .. ولا تحب من يسكنها.

ارسلت الرسالة الثالثة في بطاقة جميلة من ماليزيا، قالت انها الآن في آسيا مع بعض الأصدقاء، فبعد سنتين واربع شهور من العمل، قررت ان تسافر لترى رقعة ثالثة من وجه العالم. جميلة ماليزيا، كتبت في اعلى البطاقة، ولكنها غريبة بعض الشيء. ففيها التطور والتمدن والعمران ولكنهم – ربما متعمدين – ابقوا على جزر بدائية لازالت تعيش فيها اكواخ القش والقصب جيرانا لأفخم واكبر الفنادق والقصور! من جزيرة لانكاوي قالت انها بدأت ترى الغيوم تنجلي، تنام على الأقل ليلتين في الأسبوع بلا ان تترقرق عينيها بدموع الغربة. قالت انها تعرفت على المزيد من الأصدقاء، هم أصدقائها لإنهم يتقبلونها كما هي ولا يشعرون أنها لا تنتمي للنسق العام من البشر. تداركت الموقف سريعا، وكتبت انها لازالت تشتاق الوطن ولكنها لا تريد الرجوع. فهي تحب الكويت ولكن لا تحب من يسكنها.

بعد تسعة شهور ارسلت برسالتين، واحدة في عيد الفطر وواحدة في عيد الأضحى، باركت للعين التي تقرأ، واخبرتهم انها لم تنسى الأضحية، قالت أنها دفعت ثمن اضحيتين لتذبحا في أي بلاد عربية، ارسلت نقودها من هناك عبر التحويل المصرفي، واصرت ان يوزع اللحم في بقعة منكوبة من بلدان هذه الأمة. لا تعرف لماذا، ولكنها آثرت ان لا تكتب كثيرا عن مشاعرها في رسالتي العيد. لم تشتم الظروف، والماضي، والاحداث هذه المرّة. بدت في رسالتيها بمنتهى الهدوء وكأن سحابة من نسيم ابدلت الغيوم السوداء التي لا تنجلي.

قالت انها بخير، وقد انتقلت الى العيش في بيت اكبر من الذي كانت تسكن فيه، قالت انها متعبة قليلا، أن قدماها متورمتان من كثرة العمل! ولكنها سعيدة وراضية. أبدت تطورا نفسيا ملحوظا في رسالتيها وكأنها اعتادت حياة الغربة، او انها وجدت وطنا آخر بعيدا عن حدود الكويت!

في بداية السنة الخامسة ارسلت رسالة قالت فيها انها تزوجت وانجبت أميرة صغيرة اسمتها سارة، كم جميلة تلك الطفلة، وكم هي غالية. قالت ان سارة تملئ الآن جل وقتها فلا وقت لديها بعد الآن للقهر والأحزان. استعادت مع طفلتها كل ما غاب عنها من حب وأمل. هي الآن لا تشعر بالحزن ولا بالوحدة. فبيتها وزوجها وطفلتها، عملها ومستقبلها وحياتها اجتمعت سوية ليرسموا في كراستها خريطة لمفهوم جديد للوطن. كتبت انها لا تكره احد، ولا تلوم أحد، وانها قد غفرت وسامحت كل ما كان في الماضي! هي الآن لا تفكر في الماضي .. بل باتت تفكر كيف تدعو حاضرها الى الإقتران بمستقبل سعيد لا يحمل في جوفه ذرة وجع. قالت أنها ودعت الأحزان وبدأت في التعرف على الحياة من جديد. في نهاية الرسالة، قالت انها تحب الكويت .. وتحب من يسكنها.

في آخر شهر من السنة الخامسة وهي لازالت معلقة هناك بين الأرض والسماء، ارسلت رسالتها الأخيرة كتبت فيها .. انها عائدة للكويت!









يتبع ...

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

متابعينك
لاتبطين علينا

NewQ8 Bride يقول...

ناطرة باقي الأجزاء على نار :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت