كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 16



شهقت سلمانة في صباح اليوم التالي عندما دخلت عليها مريم في مكتبها، كانت الساعة مبكرة جدّا وقد تعمدت سلمانة أن تحضر قبل الجميع لتنهي جداول العرض للإجتماع الذي سيعقد في الساعة الثامنة والنصف. جاءت مريم وقد لوّن وجهها الصافي بندبات تعب، هالات سوداء غامقة تحت عينيها، وملابس تكاد لا تناسب بعضها. تغيّرت الفتاة التي كانت واحدة من أجمل البنات في الجامعة وأكثرهم اهتماما بالموضة والمظهر. تغيّرت كثيرا حتى بدت أما لأربع اولاد او اكثر تجري ورائهم ليل نهار فتنسى ان تأكل وأن تضع حجاب رأسها بالطريقة الصحيحية.

عانقتها سلمانة، صافحت يدها المهترأة وقبلتها على خديها، هناك حريق ما في جوف هذه الفتاة، لهيب من حسرة وألم وربما جبال من ندم سقطت على الكيان الذي ضاعت ألوانه. لم تكن مريم في مزاج معتدل، فقد تلقت للتو حسبما قالت خبر تدهور حالة والدتها الصحية من ابنة خالتها. اتصلت بها لترجوها خلسة أن تذهب لترى والدتها، فسحبت خالتها الهاتف من يد ابنتها وأسمعتها كل الكلمات النابية والشتيمة الجارحة في القاموس العّامي. اتهمتها خالتها بأنها السبب في مرض امها، وانها فعلا لا تستحق الحياة " ليتهم نجحوا في حرقك مثل الكلبة المجذومة"، قالتها بإصرار .. واقفلت السماعة وانتهى الصراخ .. اصبحت حياتها مليئة بالصراخ، رأسها يوجعها باستمرار ولا تنفك الأصوات الغريبة تغزوها كلمّا أحست بشيء من الهدوء:

-        حتى الدوام يا سلمانة ما سلمت منّه، نظرات الناس، الموظفات الزميلات إللي معاي، ما كان أحد يستجري يكلمني وإلا يسلّم عليّ. ما يبوني اقعد معاهم، اكلمهم، آكل وياهم! أنا ما كنت ادري ان سالفتي انتشرت وانشهرت لي هالدرجة. حتى نيفين المسكينة انسحبت عليها فضيحتي لإني ساكنة عندها! فقامت ما تتكلم عنّي وما تقول إني ساكنة معاها. أمها ارفضت انّي اترك بيتهم، ولولا اصرارها كنت تركت بيتهم عشان سمعتهم ما تتوسخ.

-        مريم ماكنت ادري انك قاعدة تواجهين كل هذا!

-        هذا ولا شي سلمانة، الدوام يهون .. ناس ما تربطني معاهم قرابة ولا دم. أهلي مستعرين منّي، خالاتي وعماتي وجدتي إللي كانت تموت عليّ، ارفضت إني اسكن عندها. اختي الوحيدة ما عادت تحاول تكلمني ولا تساعدني.

-        لا مريم، اختج في وضع صعب وايد، ما تطلع بدون الوالدة، واخذو منها التلفون، اختج محبوسة بين اربع طوّف عشان ما يبون اصير فيها إللي حصل معاج.

تنتحب:

-        مسكينة منال

-        بس اهي دقّت عليّ وعطتني اوراقك الثبوتية بعرس هديل، خذتهم من غرفة الوالدة بدون لا احد يدري، وسلمتني اياهم عشان اعطيج الأمانة.

استأذنت سلمانة وذهبت لسيارتها لتجلب الظرف الذي تركته هناك تحسبا لكل الظروف. عادت بسرعة وأعطت مجموعة من الأوراق طويت في ظرف صغير. أخذتها مريم وهي لا تزال تصارع الدموع. فتحت الظرف لتجد اكثر بكثير مما توقعت.

شهادة ميلادها، بطاقتها المدنية، جواز سفرها، بطاقة الجنسية، الشهادة الجامعية، بطاقة البنك والبطاقة الإئتمانية، صورة ملونة للعائلة عندما كانوا صغارا يتجمعون حول والديهم تملؤهم حيوية الطفولة وبهجة البراءة. واخيرا وجدت مريم ورقة رسمية من محكمة الأحوال الأسرية، تقر هذه الورقة بتوقيع الأخوة الثلاثة تبرؤهم الرسمي من اختهم مريم. تعتبر هذه الورقة بمثابة الإقرار الرسمي من الأخوة الثلاثة بإخلاء مسؤوليتهم القانونية عنها، وانهاء صلة قرابتهم عن المدعوّة مريم.

 نزفت مريم شهيقا عندما قرأت الورقة، وانتحبت اكثر عندما نبهتها سلمانة أن امها واختها لم  توقعا على الورقة. فلا زال هناك أمل في صفاء القلوب ولم الشمل يوما ما.

في تلك الزيارة المفاجأة لمدرسة جميلة يدرس فيها الاطفال ويمرحون انشقت مريم من عائلتها الى الأبد، فهم قد اخطروا الدولة بقرار التخلي عنها بعدما فشلوا في قتلها. رسميا ارسل الأخوة الثلاثة اختهم مريم الى منفاها الأخير.

ضمتها سلمانة الى صدرها فابتعدت مريم، قالت انها لا تريد شفقة من أحد، قد ملّت النظرات من الناس، فخلال السبعة شهور الماضية، لم تر سوى نظرات شفقة او نظرات احتقار. وهي قد ملَت الصَغار.

سألتها سلمانة ماذا ستفعل؟ فأخبرتها أن ليس لها اهل هنا! هي ستغادر بعدما تعيد الحق الى اصحابه، والعدل الى نصابه. بعد قراءة الورقة المشؤومة رأت سلمانة في عيني مريم نوعا جديدا الرغبة في الحياة، ذلك الضوء الذي يخرج فجأة من قعر الحفر الكبيرة المعتمة عندما ينفجر داخلها شيء خفي، ويقرر البركان مراسيم ثورته.


***

بدا جوناثان اكثر تحفضا من الأمريكين العاديين، كان الجميع يفتح قلبه ويحدث عمّا بجعبته كعادة الأجانب عندما يتآلفون. في الغالب تسقط أنصاف الأقنعة وتبقى البواقي معلقة على انصاف الوجوه، لا بد لهم ان يضمروا شيئا على الرغم من الإنفتاح الواضح في المشاعر والآراء، لابد أن يكون عند الأمريكان شيئا خارج عن نطاق البوح، لا يستحق ان يعرفه العرب.

على الرغم من العشرة والعيش والملح بينها وبينهم، على الرغم من الأوقات التي تقضيها معهم، على الرغم من المشاعر المفتوحة والبيوت المفتوحة. يخفي الأمريكان والأجانب بصورة عامة شيئا ما عن العرب.

ولكن جوناثن كان مختلفا، أحسّت سلمانة مع تقارب العلاقة المهنية أنه يتحدث اليها اكثر من الباقين، اصبحا صديقين بعد فترة وجيزة من قراءة الكتاب، فعندما اخبرته أنها أنهت قراءته بعد يومين من الإستلام ابدى بهجته بكونها قارئة سريعة. وعندما جلسا على طاولة واحدة يناقشان ما حدث في ثلاثات "موري"، شعر بتقارب اكثر خصوصا بعد ما عرف كم هي ماهرة ومتألقة بلغته. ابدى دهشته من لكنتها السريعة بلا أخطاء، وسعد حقا بتلقائية الكلمات التي تخرج من فمها جميلة ومنمقة بلا عناء. بدت وهي تحدثه قريبة جدا منه لا يفصلهما جدار الكلمات بل يقربهما من بعضهما. وعندما توطدت الصداقة أكثر، تبين له انها لا تجيد اللغة الإنجليزية فحسب، بل هي فتاة كويتية تعيش داخلها فتاة عالمية، تشمل ثقافتها رقعا كبيرة من العالم وخصوصا امريكا. هي فعلا تحاكيه بلغته، تتكلم معه عن المسلسلات التي عاش معها طفولته وكأنها كانت طفلة تجلس بجانبه وتشاهدها معه، مسلسل "روز آن" كان محور نقاشهما عن الست كوم الكلاسيكسة. يتحدثان ايضا عن "فريندز" المسلسل الشهير الذي اكتسح العالم بطرافته وتألق الأصدقاء الستة فيه. يضحكان كثيرا عندما تعيد ما أحبت من سطور الحوار ويذكران بعضهما بالمشاهد التي لا تنسى. مسلسل "فريزر" الذي عشقته وتابعه هو بدوره من البداية الى النهاية، كانت هي تعيده من جديد كلمّا أنتهت من مشاهدة الموسم. مسلسل "افري بودي لوفز ريموند"، مسلسل "افردوود" و "إد". صعقا عندما علما ان فلمهما المفضل مصادفة كان " As Good As Goods"، ولكنهما اختلفا على "Legends of the Fall" فهي احبته وهو لم يجد فيه اي تميز. عادا اخيرا والتقيا على "Brave Heart" و " Apocalypto" ملحمتين من اخراج الممثل ميل جبسون الذي يعتبره هو عبقريا كبيرا وتعتبره هي رجل يستحق الإحترام.

تفاجأت بعد شهرين عندما اقترح ان يوقضها هو كل صباح للذهاب للمدرسة، قال انه سيتصل بها في الساعة السادسة ليتأكد انها طردت النوم وأنها لن تتأخر، ابتسمت ووافقت وهي تحمل له الكثير من المحبة.

في صباح اليوم التالي فتحت عينيها قبل لحظة من اتصاله، كانت الساعة الخامسة وسبع وخمسون دقيقة، نادرا ما تستيقض لوحدها مبكرا ولكنها علمت منذ تلك اللحظة انها حتما بانتظاره. القت لمحة على الهاتف بجانبها وتساءلت ان كان سيخيب ضنها اذا نسي ولم يتصل، فعلا انزعجت، اشاحت بوجهها بعيدا عن الهاتف وغطّته بالوسادة. رن الهاتف، فمددت ابتسامتها المدفونة تحت المخدّة ورفعت الخط عندما رأت ان الساعة تشير الى السادسة بالضبط.

في ذلك الصباح في المدرسة، جاء الى مكتبها والقى التحية. كانت ابتسامته مختلفة وكان ردها مختلفا. لأول مرّة منذ رأت جوناثان تضع عينيها في عينيه ولا تبعدهما. لأول مرّة تعطي لنفسها الحق في التمعن اكثر بملامحه، عيناه بنيتان رائقتين بلون العسل تختبآن خلف نظارة طبية. ابتسامة رقيقة واسنان بيضاء مرتبة كرؤوس جنود الملكة اليزابيث. بنطاله جينز ازرق فاتح وقميصه ابيض ناصع. رجل امريكي تقليدي جدا جاء ممتطيا نجمته الوحيدة.

امتدت مكالمة الصحوة الموعودة الى اربع ساعات قبل موعد الإتصال، احيانا كان يبدأ حديثهما الساعة الثانية بعد منتصف الليل ويمتد حتى موعد اللقيا في المدرسة. كانت احيانا تتصل به او يتصل هو الساعة الثانية عشرة ليلا ولا ينامان. كانا يقولان كل شيء واي شيء، يضحكان كثيرا ويدهشان بعضهما عن طريق استعراض كم المعلومات التي يملكها كل منهما عن بلاد وتاريخ وتقاليد الآخر. فعلى الرغم من كونهما من عالمين مختلفين، إلا انهما وجدا في البحث عن جذور بعضهما متعة لا تضاهى. هي تحاكيه عن كيف انضمت تكساس الى الولايات المتحدة، وهو يخبرها عن معركة القصر الأحمر في الجهراء، وعن الإستقلال في أول سنة من الستينات على يد الشيخ عبدالله السالم. ولكن كانت متعتهما الأكبر، عندما يتوقف كل منهما عن محاولات اثارة دهشة الآخر بثقافته، ويبدآن في فتح الأبواب المغلقة على طفولتهما، عائليتهما، اخوتهما، بيتيهما الذان يبعدان آلاف الأميال بقرب مدهش.

كان يستمع كالطفل الصغير عندما تخبره عن العيد، عن فساتين طفولتها المنفوشة، نقش الحنة على شكل بجعة على راحة يدها، عن الكفوف الذهبية التي يمتد خاتمها من اصبعها الى معصمها. عن العيادي والهدايا، عن حب الطفولة لإبن خالتها. كان يضحك من كل قلبه ويحاول قدر المستطاع ان يفهم ويتفهم ما يصعب عليه استيعابه.

وهي .. كانت تنصت من الجانب الآخر لهدير انهار حياته الماضية، كانت امريكا بالنسبة لها دائما عالما مليئ بالجموح، بالرغبة في الطيران، والنضال ليعرف الشخص حلمه، يجد نفسه ويحقق امانيه. كانت تستمع عندما يخبرها عن امه التي تركته وحيدا وهو في التاسعة من عمره لتسعد مع صديقها. كيف انتقل للعيش مع خالته وكيف أحس أنه وجد اما ثانية بينما هو يعلم أن الحقيقية ترزح في حضن حبيبها في الولاية المجاورة، كيف عادت اليه، ثم غدرت بقلبه الصغير من جديد لتعود الى نفس الرجل. أحسّت باللوعة لأجله، ارادت ان تضمه لصدرها وتخبر الطفل بداخله انه لازال بخير. ولكنها تعود لتسعد عندما يخبرها أنه في النهاية انتصر، وهو الآن الرجل الوحيد في حياة والدته التي استوعبت في النهاية ان لا رجل اغلى من رجلها الصغير.

أحبت حكايا اعياد الميلاد وعيد الشكر والديك الرومي والشجرة المزينة بألف مصباح وألف كرة، وأرادت ملئ جوارحها ان ترسم بجسدها يوما ملاكا طائرا على الجليد.

كان هو الضد اللذيذ الذي احتاجته ليصحح بعض المسارات في حياتها، وكانت هي لمحة الواقع الجميل الذي بحث عنه مطولا بعيدا عن نماذج العلاقات المشبعة بروتين الحب الغربي الذي يشتعل ويخبوا بعيدا عن الأسس والمقدمات.

في المدرسة .. كان تقاربهما واضحا، لم تشعر يوما أنها يجب ان تخبئ ما تشعر به. الكل هنا لا يبالون ولا تشغلهم شؤون الآخرين.

 اقترب منها يوما وهي توبخ طفلا قد صفع زميلته وهددها بفقئ عينها اليسرى بالقلم، كانت مِس سلمانة تحادثه كرجل عاقل وتضع بين يديه دلائل قبح تصرفه وعدم حضاريته. وقف جوناثان ورائها وهي لا تعلم بوجوده، يرى ضهرها ويسمعها تحاضر، ولم تكن هي تراه. وقف عند الباب مبتسما.

عندما اذنت للطفل بالإنصراف، ركض الى جوناثان وضمه وبكى، حمله الأستاذ وأسرّ له أن فعلته لم تكن من شيمة الرجال، وأنه مهما حصل يجب ان لا يرفع يده على فتاة.

ناكفته بإنجليزية مشاغبة:

-        لا اصدق انك انت ايضا تعتبر ضرب الفتيات نقصا للرجولة لإنهن ضعيفات ومستضعفات!

-        من قال لك هذا؟

-        سمعت ما قلت له

-        أنا لا انكر

-        اذن .. الرجل عليه ان لا يضرب المرأة لإنها ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها! هل تتحداني؟ انا أخذت فصلين كاملين في دروس المارشال آرتس والدفاع عن النفس، بإمكاني دفنك هنا.

-        حقا؟

-        نعم

-        اذا دفتيني .. هل ستعودي حبيبتي الرقيقة وتنتشليني من تحت التراب؟

لم تعلق على كلمته الخطيرة على الرغم من تصاعد البرق في قلبها، اهملتها متعمدة وقالت:

-        لا سأنتظر حتى تخرج نفسك، ففي النهاية النساء ضعيفات ليس لديهن القوّة على انقاذ الرجال!

-        وانا لن اخرج إلا على يديكِ

ابتسمت:

-        لماذا تتحدث بلطف اكثر من اللازم اليوم؟

-        لإنني اتيت لأسألك ان كنت تريدين الخروج معي الليلة؟ أود ان ادعوك على العشاء

اضطربت:

-        لماذا؟

-        لإنني اريد ان ادعوك على العشاء .. Its a date!

ابتسمت:

-        نحن لا نحتاج الى مواعيد .. أنا اعلم تماما من انت بالنسبة لي

ذابت عيناه فيها، وابتسم ابتسامة ملؤها العبير .. وخرجت معه تلك الليلة الى مطعم "غاوتشو غريل"  مطعم ستيك ارجنتيني مشهور يقع في أحد منتجعات منطقة البدع.   


يتبع ...

هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

صراحه قريتي كل المدونه مالتج انتي رائعه لا اكثر من رائعه افكارج روايتج كل شئ فيج جميل وذكي مشكوره علي الفكر الجميل المبدع وانا متابعه سلمانه وفي اليوم ارد للمدونه اكثر من مره لعل وعسي اشوف سلمانه شسوت اردواقول مشكوره

ARTFUL يقول...

جميييل جدا ومتابع بلهف

بس ملاحظتين صغيرتين

يرى ضهرها ويسمعها تحاضر،

(ظ)هرها

----------------
اذا دفتيني

دفنتيني

-------------
ما يخالف من العيلة (:

سبمبوت يقول...

آتفل

أفا يا ذا العلم !! تمون
بس عاد طوف لوخيتك هالحرفين انا من زمان مو على علاقة طيبة معاهم.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت