كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 20 أكتوبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 20



ان ينبض القلب فجأة! أن يمتلئ الصدر بفراشات شقيات يدرن بلا هوادة في فلك النبض! أن نحلم في أطراف الليل وآناء النهار بجدول رقراق وشلال بارد! أن نتفاوض مع الأمل كل يوم، أن نؤمن بمعجزة ما، أن نتنهد ابتسامة ونتجرع كل يوم دمعة عشوائية مبهمة لم ينزلها من عيوننا لا حزن ولا فرحة! أن تتحول الوجوه كلها الى سحابة ملامحه، أن يتغير وقع الكلمات التي قالها يوما بلا مبالاة لتصبح أقوال مأثورة نتذكرها ونعيدها كل يوم، تؤثر فينا تماما كقصص الأطفال التي قرأتها لنا أمهاتنا ولازلنا نتذكرها الى اليوم...

 كل هذه مؤشرات تدل على ان طبلا سكن الخافق، وأن الخفقات تحولت الى احتفالية آنية لقبيلة افريقية تعرف تماما كيف تصدر أصوات عالية تخاطب فيها الفرح! كل هذه المؤشرات تدل على أننا غارقون في دوامة الحب تدور فينا وندور فيها غير مبالين بما يحدث حولنا ..

هي وهو .. لازالوا هناك، في تلك الدوامة النابضة بالدفء، السابحة بالموسيقى الروحية الذائبة بأحلام مستقبلية مغموسة بلذة المعية. أصبحت كلمة "معا" او "Us" لسلمانة أهم بكثير من تلك الـ "أنا " التي كانت تحترفها وتحبها، هي وهو .. هناك لوحدهم بالحلم الذي جمع اثنين من عالمين بعيدين، تفاهما بلغة ثالثة لا لغتها ولا لغته .. أسموها فيما بينهم بلغة النبض. لم تكن سلمانة تعرف أنها لم تحب من قبل .. كانت تعتقد أن كل تلك الخفقات السريعة التي أحستها يوما لرجال رسموا داخلها فكرة مبدئية لعلاقة تبدأ بالتفاهم وتنتهي بالزواج .. كانت حب! لجوناثان نظرة استثنائية للمستقبل الذي يريد أن يعيشه معها، قال لها يوما أنه رجل يعيش على مبدأ البساطة وينفي مجمل التعقيد من أدق تفاصيل حياته:

-        لا شيء أروع من الحياة البسيطة .

نظرت في عينيه وسألت:

-        ماذا تقصد؟

-        اعرف الكثير من الناس الذين يحترفون أخذ قرارات تجعل حياتهم أصعب وأكثر تعقيدا!

-        هل تقصدنا؟

-        نعم .. العرب منهم! هل ستجادلينني؟!

-        لا .. في الحقيقة أنا أوافقك الرأي

يبتسم ويصفق ..

-        يا الله هذه المرة الأولى التي لا تجادلينني في موضوع يخص دائرة الاختلاف فيما بيننا !

-        جونوثان حبيبي .. أنا لا أجادلك لأني فقط أريد أن أجادلك! أحيانا أجادل لكي أعرفك أكثر

-        وبعد كل الجدال والحوارات التي دارت بيننا .. ما حكمك؟

صمتت .. نظرت عميقا في عينية ..

قالت له يومها .. أنها قررت أن تتزوجه الى الأبد ! ضحك كثيرا وقتها وسألها إن كان مفهوم الزواج لديها يستحمل ان تتزوج شخصا لمدة معينة، هل هناك احتمالية ان تتزوج شخص ليس للأبد؟ ضحكت، ضربته ضربة صغيرة على رأسه وقالت له ان لا أحد يعلم إن كان سيبقى زوج أحد الى الأبد! ما عنته، أنها اتخذت قرار سيبقى معها الى الأبد، أنها تريده صديقا رفيقا وزوجا لها.



في غرفة والدتها، سلمانة تجلس على طرف سرير والدتها بينما الأخيرة تشاهد برنامج ما في التلفاز، من يراهن من بعيد يعلم أن في صدر سلمانة حمامة ترفرف رغبة حاسمة بالخروج من القفص. تنظر باتجاه التلفاز ولكنها لا ترى منه سوى أشكال رئيسية، التلفاز مستطيل وتخرج منه أضواء وأصوات .. كل التفاصيل الأخرى كانت غائبة. في رأسها تحاول ان تجد المدخل الصحيح للقضية، ودّت لو كانت محامية، خطيبة، أديبة .. متحدثة .. تمنت لو أنها يوما درست علم النفس لكي تعرف مداخل البشر، ما يؤثر بهم وما لا يدخلهم في نوبة غضب او صدمة. انتهى برنامج أمها، سحبت نجلة الريموت كنترول بتكاسل من جانبها وأخذت تدور على المحطات، كان الملل باد على ملامحها. أخذت سلمانة الريموت كنترول من أمها .. ضغطت زر الإقفال، نظرت تجلة باتجاه سلمانة .. ترددت الأخيرة .. ثم فتحت فمها لتقول لوالدتها أنها ستتزوج اجنبيا!

***

منذ غادرت مريم الكويت وقد انقطعت أخبارها عن الفتيات كليا، لم تتصل بهم إلا مرّة واحدة بعد ما حصل في المحكمة لتقول لسلمانة أنها ستختفي من الكويت .. ستغادر المكان والحدث لكي تنسى الحاضر وتبدأ مستقبل جديد في مكان جديد. أعطت سلمانة عنوان لبريد الكتروني جديد وتمنت من سلمانة أن تخبرها عن تطورات القضية:

-        راسليني اليوم إللي يطلع فيه محمد من السجن ..

 خطر على حياتها أن تبقى بعد أن فضحت إخوتها ومرغت أسم العائلة بالتراب.



اليوم التي قررت فيه سلمانة أنها تحب جوناثان .. كان قد مرّ على حادثة مريم وسفرها أكثر من 7 سنوات، منذ تلك الفترة الاستثنائية من حياة سلمانة وقصة صديقتها التي علكتها الكويت لأكثر من سنتين وهي تشعر بذلك الدفق اللامسبوق من قوة وإصرار. لازالت تتذكر مريم، وجهها، دموعها وآثار الجروح الغائرة في روحها. صوتها الذي بالكاد يسمع وأملها المخنوق تحت أكوام ملبدة من قماش أسود ثقيل. تتذكرها كل يوم، تسأل نفسها عن مصيرها، تزورها مريم أحيانا في الحلم، تبتسم تارة وتبكي تارة أخرى. قصّت سلمانة على جوناثان نصيبا شيقا من حكاية مريم! فتح عينيه وفغر فاه واندهش! تلبدت غيوم سودا فوق سماء المحادثة، خاف جونوثان في البداية من مصيره معها، من نظرة الرجال المحليين للأنثى! من ملكيتهم الصامتة لها ولجسدها، من مسؤوليتهم الغير مبررة لتصرفاتها! من خوفهم اللامسبوق على اسمها، من اقتران كيانها بوجودهم، من ارتباط رغباتها بشرفهم. خاف من فكرة أن المرأة لا تملك قراراتها في كثير من الأحيان في هذه البقعة الصحراوية من الأرض! خاف من فكرة أن يكون مستقبل سلمانة وقرار زواجها ليس بيدها .. سألها ليعرفها:

-        ما رأيك أنت؟ هل ترين مريم مخطئة أنها أحبت محمد؟

زفرت وأجابته:

-        الحب لم يكن يوما خطيئة بالنسبة لي! الحب فكرة جميلة كبداية لعلاقة اثنين، ولكنها لا يجب أبدا أن تكون مبررا للقفز فوق خطوط الدين الحمراء!

-        وهل دينكم يسوّغ للحب؟

-        طبعا .. طالما أنه سينتهي بصورة شرعية لا تغضب الله ولا تنافي العادات والتقاليد!

-        وماذا عن منتصف العلاقة؟!

-        ماذا تقصد؟

-        في مفهومكم .. إن أحب رجل امرأة او العكس فإنهما يجب ان يتزوجا !!

-        نعم!

-        وماذا عن كل ما يدور في الفترة الزمنية والروحية والعاطفية ما بين الحب والزواج؟ هل من المفروض أن يحب رجل امرأة بصمت دون أن يعرفها او يحادثها او يلمسها الى ان يتزوجا؟

-        من منطلق رأيي الشخصي أن المعرفة بينهم يجب ان لا تتعدى الصحبة والحب الأفلاطوني الى أن يتم الزواج فتتطور العلاقة الى الجسد .. الجسد لم يكن يوما لسان الحب او العضو الذي يعرف الشخص من خلاله أنه يحب شخص ما. القلب والروح والوجدان جديرة بالحديث والتواصل بلغة الحب بين الحبيبين.

-        إذن المشكلة هي في الجسد؟ في الجنس؟

-        تقريبا! كان المجتمع الكويتي في الماضي لا يعرف للحب طريق غير نبض القلب والتقاء العيون الصامتة من وراء الأبواب الخشبية والجدران الطينية. جداتنا تزوجن غالبا من رجال لم يسبق لهن رؤيتهم، ولكنهم عمّروا في زواجاتهم أكثر بكثير من بنات اليوم. منهم من أحبت كيان رجل كانت تعرف اسمه وشكله ولا شيء بينهما. في الزمانات الجميلة كانت الفتاة تحب سمعة رجل وصيته، شهامته وقوته ونجاحاته لأنها لم تجد اختيار آخر يمكنها من حبه لشخصيته وطريقة تعامله معها.

-        وهل انت من مؤيدين هذا النوع من الحب والزواج؟

-        أنا؟ لا !

يبتسم .. وهي تكمل:

-        الزمن غير الزمن جوناثان .. الرجال غيرالرجال .. والنساء غير النساء ومفهوم الحب المجرد وفلسفته اختلفت ايضا. مع تعدد خيارات المرأة الحياتية اليوم وامتلاكها لنصيب جيد من قراراتها في الحياة، أصبحت تمتلك نصيب جيد من الكيفية التي ستتزوج بها. لازالت تتدرج هذه الخيارات ما بين "لا معرفة مسبقة على الإطلاق"، الى " جلسة واحدة في بيت العائلة حتى بدون مكالمات هاتفية بعد القبول" الى علاقة عاطفية كاملة وتجربة حياتية شاملة يقرر بعدها الطرفان إن كانا يودان الاستمرار مع بعضهم بعقد زواج او لا.

-        سألها بشغف : وانتِ؟

-        أجابت بشغف اكبر: أنا بين البينين .. تماما في الوسط، في تلك البقعة التي اعتقد انها ترضي الله وترضيني. أريد أن اعرف الشخص الذي سأتزوجه قبل الاقتران، أريد الفرصة في أن أراه من بعيد، خصوصا في تلك اللحظات التي لا يعلم بها أنني اراقبه، وأريد الفرصة أيضا أن أواجهه بكل ما رأيت منه حين كنت أراقب دون علمه. أريد ان أحاوره وأخاطبه وأتشاجر معه، أريد ان أصالحه، أريد ان اعرف كيف سيكون شعوري عندما يعتذر مني، عندما بالصدفة يقترب مني أكثر قليل من المعتاد، عندما يحاول ان يمسك يدي، عندما يفكر في تقبيلي وعندما أفكر أنا في تقبيله. لكي أكون صادقة معك، أريد ان اعرفه لدرجة أن أعرف تماما ما هو شعوري عندما أتخيله لي وحدي، أنا وهو في بيت واحد وأيام واحدة وعمر واحد. ولكني في نفس الوقت لا اريد ان تتخطى رغبتي أكثر من مجرد مبادئ المشاعر في المعرفة .. في القرب وفي الوصال!



عادة ما يحاول جونوثان أن يفهم المجتمع العربي كما هو، يعلم أنه عندما أحب سلمانة العربية انه يجب أن لا يحاول تغيير تلك الأفكار التي كبرت وتعلمت ونشأت عليها، وإن حصل ارتباط رسمي بينهما فعليهما لكي تنجح علاقتها أن يصلا الى نقطة تواصل يلتقيا في مكان مريح لكليهما في الوسط. أحيانا تعجز خلفية جوناثان المتحررة استيعاب منظومة العادات والتقاليد الصارمة التي تعيش تحت سقفها سلمانة. وعلى الرغم من أنها تبدو متفتحة جدا ومثقفة الى أبعد الحدود إلا أنها لازالت تلتزم بتلك الضغوطات اللامنطقية من وجهة نظره. أحيانا يراها جوناثان كفراشة بجناحين جميلين ملونين رائعين قادرين على الرفرفة والطيران، ولكن مجتمعها لا ينفك من وضعها في جرة زجاجية شفافة ترفرف فيها بجناحيها الى أن تتعب، فلا هي ترتفع ولا الجناحين يكبران.

ببساطة .. كان هو .. وهي .. وعلى الرغم من كل الفضاء بينهما .. كان الحلم ثالثهما!


يتبع ...

هناك 3 تعليقات:

ARTFUL يقول...

ما عرفنا الام شقالت؟؟؟

شصبرناااا!!

غير معرف يقول...

بس !! اشويه :( نبي بعد

Shaimaa Goda يقول...

المقطع الاول هو ابلغ واكثر ما قرأت تصويرا لحالة الحب :) .. ابدعتى
فى انتظار التكملة على احر من الجمر.
احب الكويت ونسائهااكثر كلما قرأت عن سلمانه على لسان سارة.
تقبلى محبتى وتقديرى
Meshmesha

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت