كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) الأخيرة




هناك فرق شاسع بين الحشرجة والاختناق! لكن سلمانة في تلك اللحظة التي شخصت فيها عينا والدتها وظهرت في رقبتها عروق الغضب أحسّت أن صوتها يتحشرج اختناقا فاضحا بجزعها! طالما تخيلت لحظة الاعتراف الكبير، لا يعترف الناس إلا بذنوبهم قال لها جوناثان يوما .. أضاف: أنا لست ذنبا!

لم تجبه في تلك اللحظة الممسدة بالصمت، حجب ظلام ما، تلك المسافة القصيرة الفاصلة بينهما، رأت خلال العتمة مصيرها او ربما .. مصير اعترافها.

نجلة استغرقت وقت أطول مما تصورته سلمانة لتبدأ ..

-        انتِ من صجج وإلا تتغشمرين ؟؟

سؤال لم يتبعه برهة صمت طمعا بإجابة! صفعة دوّت على وجه البنت التي جاءت لأمها تبوح حبها للغريب. لا تعرف لمَ ولكنها في تلك اللحظة الحاسمة تذكرت وجه شادية عندما كانت "فؤادة"!

وتطايرت الأفكار كالصحف الممدودة بوجه الريح ..

توافد الرجال على رائحة الصراخ التي شلّت أركان المنزل، لم تعلم سلمانة متى سقطت على الأرض، ومتى بدأت ركلة والدها الأولى، ومتى انتهت لكمة أخيها الأخيرة؟ كلها تهدرجت مع سيمفونية سقيمة على أنغام صراخ نجلة التي وفي خضم الهلع صرّحت بأمور لم تكن صادقة ولا مباحة! سمعت سلمانة في دورة الأرض الكاملة التي شهدتها بلحظات أنها تصاحب الأجانب الكفار! أنها تؤنس غرتبهم! أنها تزورهم في منازلهم ..

-        وأنا أقول بنتي شفيها ما ياها النصيب! أثراج مسودة سمعتج يا بنت ابليس .. وأنا أقول شفيهم البنات كلهم تزوجوا وانا بنتي ما تحركت من مكانها، أثراج فاضحة عمرج وحاطة اسم ابوج بالتراب .. وأنا أقول ..

لم تعد سلمانة تسمع، ربما جاءت صفعة والدها الأخيرة على أذنها اليسرى هدية .. رحمة من الله لكي تفقد بعدها كل إحساس باليوم وما بعده ..

أخذ مبارك والد سلمانة هاتفها النقال ومفتاح سيارتها، بعدما دفعها كما تدفع المنحلات الى زنازينهم الصغيرة. غرفتها البنفسجية دكنت، أصبحت تلوح بالغربة ..
لم تبك وقتها، بخطوات بطيئة جدا نزحت الى فراشها ونامت عليه، تدثرت بآثار دموعها الدفيئة وغفت على آلام جسدها التي تناثرت عليه كدمات طازجة ..

في منتصف الليل أفاقت، هكذا بلا مقدمات ..
أدارت عينيها في غرفتها وأرادت من كل قلبها أن تتنفس بهدوء شهيقا مطمئنا في تلك اللحظة الصغيرة جدا التي يستوعب فيها العقل أنه كان يحلم! لم يكن لها ذلك ..
آثار الدموع الجافة، قطرات الدماء اليابسة وندح الكدمات النائمة بعنجهية غريبة على جسدها! تناكفها كدماتها، كانت عندما استقرت على جلدها شفافة ومتوارية .. والآن بدأت تظهر عليها آثار الغرور، تذكرها ألوانها بفواكة استوائية نضجت أكثر من اللزوم.

نهضت من فراشها، داست على الأرض .. خطوة ونصف لتظهر ملامحها على المرآة المعلقة بالجانب الآخر من غرفتها، لمحت وجهها المتورم، شعرها المنكوش وعينها الغائرة. آثار الدماء وآثار الكبرياء الذي داسته مفاهيم واهية في مجتمع أهوج .. فاجأت نفسها وضحكت .. قهقهت طويلا على شكل وجهها .. وفي وسط نوبة الضحك سألت نفسها إن كانت جُنت .. ولم يأتها الجواب!

احتاطت سلمانة .. كانت تعلم ما سيحدث، او ربما فكرت في أسوء الاحتمالات محاطة بأماني الخيبة، تلك التي تأتي بالنفي المحمل بكل رايات الغبطة .. عندما نحمد الله أنه خيب توقاعتنا ..
 في خزانة ملابسها الداخلية هاتف نقال رخيص، في رأسها الجريح رقم هاتف واحد، أصابع مهزوزة ولكنها سعيدة تنقر على الأرقام المضيئة .. رنتان .. ثلاثة .. وصوت واحد تعرفه جيدا وتحبه كثيرا، ناعس وهادئ ..

-        هالو ..

-        Jonathan .. Its me .. Come and take me !



****



عند بواية المطار.. عند الباب الذي يفتح نفسه بنفسه وقفت للمرة الأخيرة تتفاوض مع الشجاعة: خطوة واحدة وأكون في حضن الكويت! مازال اسم الأرض يؤلمها ولكنها تشعر أنها شاخت على الألم، احترفته .. بل أدمنه الى أصبح جزء منها، لا تحبه ولكنها تألفه. الشارع الفاصل بين أرض مبنى المطار والمواقف المقابلة لازال مثلما كان عندما غادرت بحجاب ملون على الرأس وثياب رثة وروح نازفة. عندما غادرت كانت خائفة من الناس الذين لا تعرفهم ولا يعرفونها ...
واليوم .. خافت من المتربصين! هؤلاء الذين تعرفهم ويعرفونها جيدا!  ابتسمت، قالت لنفسها أنهم لن يكونوا بهذا الحب لكي يستقبلوها حتى لو برصاصة بعد كل تلك السنين التي غابتها عن رؤوسهم، كل السنين التي لم ينطقوا فيها اسمها، كل السنين التي لم يسألوا فيها عن أرضها، مستقبلها ومصيرها. سمعت منذ زمن مقتطفات أخبار ..  ( قالوا للسائلين أنها ماتت! ) وأغمضوا العيون المتربصة بالشمع الأحمر .. وسمعت ايضا أن أمها استقبلت فيها العزاء يوم واحد بدلا من ثلاثة.



****

أخذها جوناثان ..
قفزت سمانة من نافذة غرفتها الى سطح ملحق بيت الجيران الذي طالما استغربت قربه من نافذتها، وكأنه وضع بإحكام ليلعب دورا هاما في فصل استثنائي من قصتها. ومن الملحق قفزت الى سطح غرفة سائقهم الذي تدلى منه سلم صديق .. اعتبرته دوما سلمانة ملاذها إن يوما حصل وشب حريق! لم تكن يوما أن حريقها سيشب ويحرق أشلائها بلا حتى شرارة واحدة.

كانت الليلة مقمرة وهادئة الى ابعد الحدود. امسكت حقيبة يدها جيدا وقفزت الى الأرض بعد السلمة الأخيرة، عندما كانت تمشي برفق الى بابا منزل الجيران الأمامي، كانت بلا شعور تمسح بأصابعها الخائفة على ما تبقى لها من جدران بيتها .. تلك اللصيقة ببيت الجيران .. القريبة جدا من روحها!

جوناثان بسيارته كان بالانتظار، في جيبه جواز سفره وبطاقاته الائتمانية وفي قلبه خفقة فرح لأنه وعد وصدق. في حقيبة يدها جواز سفرها التي دبغت عليه قبل شهر تأشيرة دخولها لتلك الأرض البعيدة، في صندوق السيارة حقيبة واحدة كبيرة شاركته سلمانة بها، وضع هو متاعه الذي سيعود به للوطن، ووضعت فيها ثيابها التي ستغادر بها الوطن.
ضدّان متناقضان كانا سلمانة وجوناثان، هو يعرف معنى الحرية وهي ستعرفها قريبا جدا! هو يعود وهي تغادر، هو سيلتقي بأهله تحت ضوء الشمس، وهي تتركهم ورائها خفاء في حلكة الليل، هو يحبها ويريدها وهي تحبه وتخافهم! ولكن على الرغم من كل هذا التضاد .. كانا رجل وامرأة تلعب في رأسيهما أغنية ملبدة بحكايا الشمس.

في مواقف المطار يوقف سيارته التي أوصى صديقة بها، يأخذ الحقيبة من الصندوق، يفتح بابها ويحدق برهة في وجهها، يسحب يدها، يصد عنها ويكتم دمعة مخضبة بقهر الرجل الذي لم يكن هناك ليصد الشر عن امرأته. تذكر انها قالت له، هيئته لكل ما سيحدث، ووضعت في صدره احتمالية راسخة لكل ما سيكون عليه المصير .. وهو وافق ورضي. وهو يمسكها بيد ويسحب حقيبة الرحيل .. رفع يدها وقبلها.

رأت بوابة الدخول فوقفت .. كانت رجليها أشبه بخشبتين محروقتين، تتناثر شظاياها بكل مكان، ترتجف هون الضعف وانهيار القوى. توقفت عند بضع خطوات من الدخول خارت قواها ودخلت في رأسها مئة فكرة .. انفعلت الأفكار كلها انهمارا أشبه بالشلال، كانت من ضمن تلك الأفكار بركان خوف. وقف جوناثان تماما أمامها، نظر بعينها ومسح دموعها، لم ينبس بكلمة ولكنه مد يده الى حقيبة صغيرة جلدية كان يضع داخلها أوراقه المهمة .. سحب ورقة بيضاء .. قدمها لها وفتحتها ..

قرأت رأس الورقة: ( وثيقة دخول بالدين الإسلامي ) لم تكمل القراءة .. مشت خطوتين ورفعت يده وقبلتها لإنه أطلق فراشة بصدرها .. تقبل قلبها من الداخل.

فتح الباب الذي يفتح نفسه، دخلت سلمانة صدر المطار بيدها رَجُلها وجواز سفر وتذكرة حياة ..

في نفس اللحظة التي خرجت فيها مريم من الباب الذي يفتح نفسه بيدها روحها

.. وقصاصة صغيرة فيها رقم قبر والدتها..


*** انتهت ***

هناك 6 تعليقات:

غير معرف يقول...

:) حلوه وايد حلوه القصه والنهايه

يعطيج العافيه

غير معرف يقول...

LOVE IT :* thank you

ARTFUL يقول...

جكجكجكجكجكجكجكجك


ممتاااااااااااز

وسعيد بالنهاية

--------

للامانه قاعد أحط نفسي مكان الأب ، وان بنتي الجميلة في المستقبل اعترفت بهذا الأمر ، هل سأملك قلب قاسي يجعلني أضرب بنتي؟

مرات أفكر لو بنتي تغلط وتسوي شي يضايقني لدرجة كبيرة جدا ، شراح أسوي؟


ولو أطقها علشان أفرغ غضبي ، بنتي وين راح تروح! اذا ما حصلت الأمان عندي وين بتحصله!!

بس بدا يضيق خلقي
--------

سلامي للأهل والأحبه ، وبانتظار القصة القادمة

(:

غير معرف يقول...

سلمانه بنت شجاعه اتخذت قرار شجاع لتعيش حياة اهي اختارتها ولوانها سالفت الدين مالها داعي لان حسب ما فهمت سلمانه بنت متفتحه ومتنوره سالفت الدين ما تفرق عندها والحب مو ذنب ابدا شكرا لج

LadyB يقول...

I cried , cried and cried !
A very heart breaking story and very un expected end !

Hanan Abu Jamea يقول...

قصه رائعه بكل تفاصيلها حبيت سلمانه جدا

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت