كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 30 أكتوبر، 2011

" غدّونة" تذهب للمدرسة !






- راح تبجين .. وبييب كاميرتي وأصورك واضحك عليك!



اضحك عاليا على وأنا أتمدد في الضفة الأخرى من الهاتف، صديقتي تناكفني لإنها سبقتني في مضمار الأمومة بأشواط، اختبرت مشاعر العناد والفقد والفراق حتى وإن كانت واحدة من تلك الفراقات السعيدة، عندما تتباعد اليدين "الصغيرة" و"الكبيرة" اللاتي ظلتا متماسكتين منذ النظرة الأولى .. المسكة الأولى!



"غدونة" مختلفة ضمن بعد رابع لا أعرف تفاصيله ولا قياساته المجهرية! "غدونة" ليست طفلة أنجلبتها وأحببتها لإنها ابنتي فقط، بل لإنها معلمتي التي أدخلتني ما إن تواجدت في الحياة الى حيّز لم أقربه من قبل. "غدونة" لوحدها، وفي لحظة واحدة من وجود علمتني أن حياتي لم تعد حياتي! أصبحت ما إن وطأت قدميها الصغيرتين خارج النفق الدافئ مُلكا لا لشخص، بل لحالــة! أعود إليها أحيانا وأسميها حالة اللاأنا!



عندما اقترب موعد التحاق ابنتي/ معلمتي في المدرسة جلست مع نفسي وأصدرت مراسيم ذاتية تتمحور حول أين نوع من امهات طلبة المدارس سأكون! هل من هؤلاء الأمهات اللاتي يتدخلن في تفاصيل يوم صغارهم الدراسية! هل سأكون أم "بودي غارد" أشمر عن ذراعي وأسابق الزمن للتلطيش بطفل دفع ابنتي في ساحة اللعب؟ هل سأكون أم شاكية أقف الأولى عند باب المدرسة لأقدم شكوى على معلمة أساءت معاملة ابنتي طبعا ضمن نطاقات الحوار الذي يدور بيني وبينها، هي بنية البوح وأنا بنية التصيّد والكيدية! أم سأكون من هؤلاء الأمهات اللاتي تلوح على رؤوسهم لا مبالاة باهتة، تلك التي تقرر أن تحضر صغارها للمدرسة نصف نائمة، تغطي عينيها نظارة شمسية لا تخلعها حتى عندنا تدخل للمبنى!



جلست مع "غدونة" وأخبرتها أن المدرسة عالم جديد وجميل، ولأنني اعرف مدى شغف طفلتي بالتواصل مع الأطفال، حبها لمفهوم الصداقة المجرد برأسها من كل مصالح، مسارعتها لمشاركة الصغار الغرباء بحكاية، نكتة او لعبة عرفت بفطرتي ومعرفتي بإبنتي أن في اليوم الأول لن تكون عندنا مشكلة الصراع الأزلي بين الطفل ومن ربّاه وأحبه واحتواه عندما تتباعد الأيادي المتشابكة لكي يقضي الطفل سويعات من يومه بعيدا عن منطقة الألفة.



عندما أخبرت صديقتي أن "غدونة" لن تبكِ .. لهذا لا اعتقد أنني سأبكي .. قالت لي الجملة التي سطرتها بأول التدوينة وضحكت من كل قلبي بمحاولة يائسة لكنس قطع الشغاف المترددة داخلي تحت البساط .. فلا أحد يرى كم أنا خائفة من اللحظة التي أترك فيها "غدونة" داخل فصلها وأبتعد! هل ستبكي؟ وإن بكت هل سأبكي؟ إن لم تبكي هل سأبكي؟ او أنني لن ابكي؟



في اليوم الموعود استيقظ قبل الجميع، أتسحب بغرفتها، ألقي نظرة على مريولها، أصنع بيدي سندويشتها، أنتقي نكهة عصيرها، أقف عند رأسها وأحدق في "غدونتي" نائمة متجلية طفلة تبدأ اليوم أول مشوار حقيقي في رحلة انهمار حياتها. اليوم .. ستغدو ابنتي طفلة مدرسة .. روضة ..KG1 .. لا طفلة بيت وأم وأب وناني ..



تستيقظ "غدونة" تفرك عينها، مزاج معتدل وعينين لامعتين .. شعر مسترسل يفوح برائحة الجونسون آند جونسون. تأكل فطورها، ترتدي مريولها ونغادر أنا وهي للمرة الأولى عتبة الباب صباحا باكرا جدا، تتوجه هي لسعيها الإنساني الأول، وأتوجه أنا لسعيي الإنساني ايضا.



في السيارة اقفل هاتفي، أقفل موسيقاي وأحادثها ..



لأول مرّة نتحدث أنا وهي بهذا الروقان .. لا أحد يقاطعنا ولا يخالطنا .. لا أحد يدلي بدلوه في بئرنا ولا أحد يشد انتباهي بعيدا عنها، ولا يقتنص انتباهها بعيدا عنّي .. ! كنا فتاتين متحابتين متلهفتين للأتي ولدينا الكثير لنقول عنه. في ذلك اليوم كتبت هذه التغريدة في توتير ( ممتنة للفترة الرائقة في الصباح الباكر عندما أجلس بدفء ابنتي نتسامر بألق ونحن في الطريق الى المدرسة).



عند بوابة المدرسة تمسك يدي .. وددت للحظة أن لا تمسك يدي لكي لا أشعر ببرد ابتعادها عندما أتركها وأغادر وحيدة بلا سمير في سيارتي الخاوية. تبدوا "غدونة" متفتحة ومزهرة، خديها متوردين وشغافها واسع متألق، تلتهم عينيها اللامعتين كل ما يدور حولها! الفصل ذو الباب الأصفر، الأطفال وهو للمرة الأولى يرون بعضهم. "ميس وندي" ذات الصوت الرخيم، الخزائن الصغيرة تحمل أسماءهم، كراسيهم، سجادتهم التي يجلسون عليها يستمعون لقصة، ألوانهم، كراريسهم! وركن الألعاب والدمى الذي اتخذ صدر زاوية تحلقوا حولها البنات في لحظة انقلبن أمهات يحملن دماهن الصغيرة وأوانيهم البلاستيكية.



"غدونة" لم تبك في ذلك اليوم .. لوحت لي وداعا هادئا مطمئنا، طوقتني بضمة ود وأرسلت لي عبر الهواء قبلة رضا ..



وعلى الرغم من أنني الآن ابكي وأنا أكتب هذه التدوينة .. إلا أنني لم ابكِ وقتها لأنني لم أجد سببا يدغدغ حزني بعد ضمة وابتسامة وقبلة طائرة من شفتيها المزمومتين عبر الغيوم الى خدّي.




هناك تعليقان (2):

ARTFUL يقول...

عسى الله يحفظها ويحفظكم ويكتب لكم الخير والسعادة وتشوفينها سعيدة وفي أعلى درجات الدنيا والآخرة (:

مع بناتي p;

ARTFUL يقول...

مساء الخير

وينج اختي ، غاطه

(:

عسى ما شر؟؟

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت