كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 17 أبريل، 2011

شعور عارض .. بالفقد !






على منضدة مطبخ جدتي القديم عصّارة برتقال حديدية بدائية! شغوفة بها عندما كنت صغيرة، لا اعلم لماذا ولكن منظر نصف البرتقالة وهي توضع في الوسط، تدير يد العاصر مقبضا حديديا على الجانب، تطبق العصّارة فكيها على برتقالتي لتسكب رحيق قلبها في كأسي طازجا لذيذا .. العملية كلها كانت بالنسبة لي مثيرة واستثنائية!



من وضع تلك العصّارة في صدري؟ من أدخلها دون أن اشعر في قفصي؟ وما بالها أضاعت العاصر من المعصور؟ كانت تعصر برتقالا واليوم تعصر لي قلبي؟!


يد خفية، صخرة ثقيلة، شيء ما يجثم على صدري. أصرّح لزوجي ان بطني مضطرب، أشك بوجبتي الأخيرة وأخاف أن تكون تلك الحبوب التي أخذتها لأنفي أشياء أنا لست مستعدة لها! قبل يومين كان الوجع خفيفا غائرة في الأحشاء، يتوارى عني، يلعب معي غميضة مؤلمة! أجلس بزاوية مع نفسي كما اعتدت دائما ان افعل، أمد سبابتي بحثا عن المصدر، أجري في جلسات البحث والتحري تلك مسحا شاملا على كياني، كل البيوت والحارات والأزقة، اطرق أبواب مشاعري كلها، أدخل السراديب عنوة، ارفع الأغطية وانظر خلف الستائر كلها. أنا امرأة تدربت ذاتيا على مسك الزمام، الإطباق على شغف التحكم، أنا امرأة تعبت الى ان وجدت نفسها، تعبت الى ان أحبت نفسها، وتعبت أكثر لكي تبقي هذا الحب صادقا وأصيل.


على فراشنا يمسك يدي، هكذا بلا مقدمات يقبلها، أشعر بالعصّارة من جديد تطبق فكيها على قلبي، أحس برغبة ملحة للبكاء، تبتل عيناي بمشاريع دموع فيسألني لماذا؟ تتحول المشاريع الى واقع مطري نابض ليس لإنني لازلت متأثرة برقة القبلة التي أتت هكذا بلا مقدمات، السبب الأكبر أنني فعلا لا اعرف لماذا!


أسر له..


أشعر بالفقد!


تلك العصّارة داخلي، اليد التي تخنق أنفاسي، الشيء الثقيل الذي يجلس على صدري، اعتقد إنني أشعر بالفقد!


كأي رجل يحاول جاهدا ان يفهم امرأة يحبها يسألني سؤالا مباشرا ليس له إعرابا في أبجديات مشاعري:


من تفتقدين؟


أصمت .. لأنني فعلا لا ادري!


ينتابني شعور بأنه سيسافر عن قريب، سيغادنا لمشروع جديد وفقا لطبيعة عمله! كان الرحيل لجبيل أشبه بعملية موجعة لبتر طرف من أطرافي! بكيت "عدم وجوده" أيام وتوقفت عندما أيقنت انه حتى ولم يكن هنا .. كان معي في كل خطوة.


يسمح على وجهي، يدخل أصابعه في شعري، يدخل في عيني ويخبرني أنه لن يرحل إلا إذا وافقت أنا على أن لا أرحل معه. الفكرة الأولى كانت ولازالت دوما أن نكون معا، هو احترف البدايات الجديدة في الأماكن الجديدة، أتقنها وأجادها! الدور الباقي عليّ أنا ..


قال لي يوما : عملي يقتضي ان أسافر الى أماكن عديدة وأحيانا خلابة، سيكون مكانك دوما في مقدمة رحلتي إن رغبت بذلك، أهديك حرية الاختيار، احتمالية البدايات الجديدة، الحياة في مكان بعيد ومختلف، السفر الى داخلك ومعرفة نفسك الحقيقة أنت لوحدك بلا مقدماتك الأولى ولا نهاياتك المكتوبة سلفا في مستقبل متوقع! ولكن طالما انك مستقرة وراغبة بالبقاء سيكون وطني فيكِ .. أغادر للعمل وأعود إليكِ.


في مرقدي، وكأنني طفلة تلاعب النوم على صوت راوي حكيم، ابتسم وأغمض عيني ..


يفيق صباحي، ولازالت العصّارة في صدري ..


في زاويتي من جديد، أتكور على نفسي قرفصاء قاسية، اغمس رأسي بصدري وأمد سبابتي بحثا مضنيا ..


هناك هضاب صغيرة، كثبان تائهة هنا وهناك .. اعتليها أجلس عليها وامنعن النظر داخلها ..


"ليزيل" بعد أربع سنوات وطفلتين تغادر بيتي وتودّع طفلتي! لا اعلم لماذا اسمح لنفسي ان ارتبط ارتباطا عميقا مع كل من جمعتني بهم لقمة، اعزي نفسي إنها العِشرة تلك التي قالوا عنها أشياء كثيرة تلخص ارتباط البشر ببعضهم، هؤلاء الذين لا يربطهم دم ولا نسب، بشر وجدوا أنفسهم يعيشون في حيّز بعضهم فدربوا أنفسهم على التآلف.


عندما كنت حامل في "غدن" جاءت ليزيل من بلادها، فتاة صغيرة بمقتبل العمر، يسكن وجهها هدوء صارخ، وتسكن قلبها كل فراشات الأمل التي من الممكن ان يحملها صدر مفعم بالحياة. كنت اسمعها تنتحب ليلا في غرفتها تبكي فراق الوطن، الأم والحلم بحياة أفضل، كنت ادفن رأسي بوسادتي وابكي لها. أناجي ربي لطفا بقلبها وأحمده من كل قلبي ان جعلني قليلا أوفر حظ منها. على أرضية منزلي تدلق كي صباح ماء صباها وتمسحه بمنشفة. تعلمت من ليزيل كيف يكون التفاني بالعمل، الإصرار على ان نصنع من أنفسنا شيئا حتى وإن كانت نقطة الانطلاقة "خادمة".


سألتني إن كانت تستطيع ان تتعلم دروس في الكمبيوتر في يوم إجازتها، فرحت لها وباركت مسيرتها. أخبرتها أنها امرأة قوية، أقوى منّي بكثير، تركت أحلامها في الوطن وجاءت تقتات غربة باردة، وعلى الرغم من كل الألم أحبت طفلتي، وقعت في حبها منذ يومها الأول، صغرت معها وكبرت مع سنينها...


بالأمس بعد أربع سنوات وطفلتين وبيت يبرق نظافة غادرت لأنها وجدت عمل أفضل، براتب اعلي واحتمالية عظيمة ان تتطور وتكون في المستقبل كيانا عصاميا لامرأة لم تتوقف أحلامها عند باب منزل تسمح أرضه وتحمل قمامته. أعطيتها مفتاح مصيرها، لم يهمني العقد الذي بيننا، ولا الوقت المتبقي لنا، ولا طفلتي التي ستفتقد صديقة طفولتها ..


كان مستقبل امرأة مكافحة، خطواتها الأولى نحو النجاح ونضالها أثمن من كل مشاعري المختلطة بألف هاجس إن كنت سأجد قلبا صادقا نظيفا كقلبها!


أودعها أمس عند باب منزلي، أمسك دموعي وهي تضمني، اختبأ خلف ظهر زوجي وهي تقبل "غدونة" وتوصيها ان تكون فتاة طيبة ومطيعة، أشد من بأسي، أمسح المطر من عيني وأنا أشاهد وجه ابنتي تودعها بابتسامة راضية. غدن تعلم بفطرتها ان جزءا من حياتها مر بسلام، بطفولتها المبهرة تطوي الصفحة وتتطلع للأمام.


أقفل الباب خلفها .. وانظر خلفي، لبيتي وعائلتي .. وابتسم !


والعصّارة .. اختفت من صدري !



هناك تعليقان (2):

Reem يقول...

جميل ،
دمعت عيني :)

لكِ أمنيات صادقة من القلب
و لأسرتك .. و لمن تحبين

ARTFUL يقول...

أهنيج ، انا ريال وعادة الريال ما يتعلق بهالأشياء

بس للأمانة أجد صعوبة بين الحفاظ على العاملة لدي من بلاوي الدنيا وان تتعلم من الخارج وتييب لي داخل بيتي وبين أن أعطيها حريتها فهي بالنهاية انسانه تركت وطنها وأحبابهاويت عندي علشان لقمة العيش أو لهدف أكبر

أحاول كثر ما أقدر أوفر لهم السعاده والراحه


وأحاول أحط نفسي مكانهم الله لا يقوله!!

الله يعينهم ويعينا عليهم

--------------

عيل قاعد تحوسين بحولي هاليومين p;

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت